ابن قيم الجوزية

262

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

فصل وأما الإغفال فقال تعالى : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) [ الكهف ] . سئل أبو العباس ثعلب عن قوله : أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ( 28 ) [ الكهف ] فقال : جعلناه غافلا ، قال : ويكون في الكلام أغفلته : سميته غافلا ، ووجدته غافلا ، قلت : الغفل الشيء الفارغ . والأرض الغفل التي لا علامة بها ، والكتاب الغفل الذي لا شكل عليه ، فأغفلناه : تركناه غفلا عن الذكر فارغا منه ، فهو إبقاء له على العدم الأصلي ، لأنه سبحانه لم يشأ له الذّكر ، فبقي غافلا ، فالغفلة وصفه ، والإغفال فعل اللّه فيه بمشيئته وعدم مشيئته لتذكره ، فكلّ منهما مقتض لغفلته ، فإذا لم يشأ له التذكر ، لم يتذكر ، وإذا شاء غفلته ، امتنع منه الذكر ، فإن قيل : فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب أضدادها ، أم إلى مشيئته لوقوعها ؟ قيل : القرآن قد نطق بهذا . وبهذا قال تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ( 41 ) [ المائدة ] وقال : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ( 41 ) [ المائدة ] وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ ( 125 ) [ الأنعام ] . فإن قيل : فكيف يكون عدم السبب المقتضي موجبا للأثر ؟ . قيل : الأثر إن كان وجوديا ، فلا بد له من مؤثر وجودي ، وأما العدم فيكفي فيه عدم سببه وموجبه ، فيبقى على العدم الأصلي ، فإذا أضيف إليه